القاضي عبد الجبار الهمذاني

369

شرح الأصول الخمسة

تعلق المخالفين بآيات من القرآن وقد تعلقوا في ذلك بآيات من القرآن ، من جملتها ، قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ قالوا : إنه تعالى فصل بين الخلق والأمر ، وفي ذلك دلالة على أن الأمر غير مخلوق . وجوابنا أن هذا باطل ، لأن مجرد الفصل لا يدل على اختلاف الجنسين ، أو لا ترى أنه تعالى فصل بين نبينا وبين غيره من الأنبياء عليهم السلام بقوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب : 7 ] ، ثم لا يجب أن لا يكون نبيا من الأنبياء ، وكذلك فإنه فصل بين الفحشاء والمنكر ثم لا يجب أن تكون الفحشاء غير المنكر ، وأيضا فإنه تعالى فصل بين الفاكهة والرمان بقوله : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( 68 ) [ الرحمن : 68 ] ثم لا يجب أن لا يكون الرمان من الفاكهة ، كذلك في مسألتنا . فإن قيل : فما فائدة الفصل ؟ قلنا : قد يفصل للتعظيم والتفخيم كفصله بين جبريل وميكائيل وبين غيرهما من الملائكة ، وكفصله بين نبينا وبين غيره من الأنبياء . فإن قيل : فما فائدة الفصل ؟ قلنا : قد يفصل للتعظيم والتفخيم كفصله بين جبريل وميكائيل وبين غيرهما من الملائكة ، وكفصله بين نبينا وبين غيره من الأنبياء . فإن قيل : كما يفصل للتعظيم فقد يفصل لاختلاف المذكورين ، فلم حملتم هذا الفصل على أنه للتعظيم ؟ قلنا : لقيام الدلالة على أن الأمر مخلوق ، ولقوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ الأحزاب : 37 ] . ومن جملة ما يتعلقون به ، قوله تعالى : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) [ الرحمن : 1 - 3 ] قالوا : إن هذا يدل على أن القرآن غير مخلوق لأنه وصف الإنسان بالخلق ولم يصف القرآن به . وجوابنا عن ذلك ، ليس يجب إذا وصف اللّه تعالى الإنسان بأنه مخلوق أن لا يكون ما عدا الإنسان مخلوقا ، فإن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على ما عداه . وبعد ، فلو استدللنا نحن بهذه الآية لكنا أسعد حالا منكم ، فقد قال : عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) والتعليم لا يتصور إلا في المحدثات ، وكذلك فقد قال : عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) والبيان فالمرجع به إلى الدلالة ، والدليل لا بد من أن يكون محدثا أو في تقدير الحادث . فإذا ثبتت هذه الجملة ، وصح حدوث القرآن ووقوعه مطابقا للصلاح ، فاعلم أنه لا يمتنع وصفنا بأنه مخلوق . وفي الناس من أنكر ذلك فخالف .